البغدادي
76
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
فلم أر موقدا منها ولكن * لأيّة نظرة زهر الوقود وجوّز أرباب البديع في الإغراق من المبالغة أن يكون نظرا بالعين حقيقة . قالوا : لا يمتنع عقلا أن يرى من أذرعات من الشام نار أحبّته ، وكانت بيثرب مدينة النبي صلى اللّه عليه وسلم على بعد هذه المسافة ، على تقدير استواء الأرض وأن لا يكون ثمّ حائل من جبل أو غيره ، مع عظم جرم النار ، وإن كان ذلك ممتنعا عادة . وجملة « تنورتها » استئنافية ، و « أدنى دارها » مبتدأ و « نظر عالي » خبره بتقدير مضاف . قال أبو علي في « الإيضاح الشعري » : ولا يجوز أن يكون نظر خبر أدنى لأنه ليس به ، لأن أدنى أفعل تفضيل ، وأفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له ، فوجب أن يكون بعض الدار ، وبعض الدار لا يكون النظر فإما أن يحذف المضاف من النظر ، أي : أدنى دارها ذو نظر ، وإما أن يحذف من الأوّل ، أي : نظر أدنى دارها نظر عالي ، ليكون الثاني الأوّل . في المصباح : علا علوّا ، من باب قعد : ارتفع ، فهو عال . يريد أن أقرب مكان من دارها بعيد . فكيف بها ودونها نظر عال ! والجملتان الاسميتان حال من ضمير المؤنث في تنوّرتها ، وجاءت الثانية بلا واو كقوله : ( السريع ) واللّه يبقيك لنا سالما * برداك تعظيم وتبجيل وهذا البيت من قصيدة طويلة لامرىء القيس عدتها ستة وخمسون بيتا ، وهي من عيون شعره ، وأكثرها وقعت شواهد في كتب المؤلفين : هنا ، وفي مغني اللبيب ، وفي كتب النحو والمعاني . فينبغي شرحها - تتميما للفائدة - وإن شرحت هنا بأجمعها طال الكلام . فلنوزعها مع الأبيات التي ذكرت منها في هذا الكتاب متفرقة ، فنذكر هنا من أول القصيدة إلى البيت الذي شرحناه « 1 » : ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي * وهل يعمن من كان في العصر الخالي وهل يعمن إلا سعيد مخلّد * قليل الهموم ما يبيت بأوجال قوله « عم صباحا » هذه الكلمة تحية عند العرب ، يقال : عم صباحا وعم مساء وعم ظلاما . والصباح من نصف اللّيل الثاني إلى الزوال ، والمساء من الزوال إلى نصف اللّيل الأوّل . قال ابن السيد في « شرح شواهد أدب الكاتب » : « يقال : وعم يعم ، كوعد يعد ، وومق يمق . وذهب قوم إلى أن يعم محذوف من ينعم ، وأجازوا عم صباحا بفتح العين وكسرها ، كما يقال أنعم صباحا وأنعم . زعموا أن
--> ( 1 ) من مطولة في ديوانه ص 27 - 39 .